الهند والصين.. خطوات عملية لتهدئة التوتر الحدودي

QatarNewsNow 0 edu4 Qatar الوسوم:,

الهند والصين.. خطوات عملية لتهدئة التوتر الحدودي

الدوحة – قنا :

أظهرت الهند والصين، تصميما واضحا على فتح الأبواب أمام الجهود الدبلوماسية والحلول السياسية لمعالجة التوتر الحدودي بين الدولتين، والذي تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى أكثر المواجهات دموية بين الجانبين منذ أربعة عقود، وانتهك اتفاق وقف إطلاق النار الذي ظل ساريا بين قواتهما منذ سنوات، الأمر الذي أثار قلقا عالميا واسعا إزاء إمكانية اندلاع حرب شاملة بين العملاقين الآسيويين النوويين.
فقد وافق كبار القادة العسكريين من البلدين بعد جلسة المحادثات السادسة التي دامت أربع عشرة ساعة هذا الأسبوع، على عدم الدفع بقوات إضافية للخطوط الأمامية على طول حدودهما المتنازع عليها بمنطقة /لاداخ/ الجبلية الشاهقة، كما اتفقوا على الامتناع عن تغيير الوضع على الأرض من جانب واحد، وتجنب اتخاذ أي إجراءات قد تعقد الوضع، وقرروا عقد الجولة السابعة من المحادثات على مستوى القادة العسكريين بأسرع وقت ممكن، واتخاذ إجراءات عملية للتعامل مع القضايا والأزمات في المكان بشكل مناسب والحفاظ المشترك على السلام والهدوء عند الحدود.
وسبق ذلك قبل أسبوعين اجتماع لوزيري خارجية البلدين في موسكو على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شانغهاي للتعاون، وتوصل الوزيران إلى خطة عمل من خمس نقاط، لتخفيف التوتر الحدودي تشمل التزام البلدين بسلسلة التوافقات التي تم التوصل إليها بين قادتهما بشأن تطوير العلاقات الصينية – الهندية، بما في ذلك عدم السماح بتحول الخلافات إلى نزاعات.
وأكد الوزيران في بيان مشترك، أن الوضع الحالي بالمناطق الحدودية لا يصب في مصلحة أي من الطرفين، واتفقا على ضرورة مواصلة الحوار بين القوات الحدودية للجانبين وفض الاشتباك والحفاظ على مسافة مناسبة وتخفيف التوترات، كما اتفقا على أن الصين والهند لا تتنافسان ولا تشكلان تهديدا لبعضهما البعض بل تتشاركان وتمثلان فرصا تنموية لبعضهما البعض.
وعلى الرغم من هذه الإشارات الإيجابية ترى وسائل إعلام هندية أن الجانبين لا يزالان أمام طريق مسدود بشأن كيفية فك ارتباط قواتهما والمواقع التي يجب العودة إليها، وقالت إن القوات لا تزال متقاربة وفي مرمى نيران بعضها بعضا على الحدود، التي يبلغ طولها 3488 كيلومترا، والتي تمتد من سلسلة جبال /كاراكورام/ في الشمال إلى التقاطع الثلاثي مع ميانمار في الشرق.
ويقول مراقبون آسيويون إن المناوشات أو المواجهات العسكرية، أثناء الدوريات الحدودية للدولتين أمر شائع، ويحدث عادة بسبب عدم وجود ترسيم متفق عليه للحدود، وهو ما أدى إلى قيام كلا الجيشين بدوريات بالمناطق وفقا لتصوراتهما الخاصة.
وكانت الدولتان قد وقعتا عام 1993، اتفاقية الحفاظ على السلام والهدوء على طول المنطقة الحدودية بينهما، ونظمت الاتفاقية قواعد الاشتباك. وشمل ذلك الإبقاء فقط على تواجد عسكري منخفض المستوى على طول الحدود، وعدم استخدام القوة، وعدم تنفيذ التدريبات العسكرية بالمناطق المتنازع عليها، لكن المواجهة الدامية يوم الخامس عشر من يونيو الماضي، أظهرت أن هذه الاتفاقية لم تعد قائمة.
ويرى مراقبون صينيون أن أكبر المخاطر التي تهدد بتصعيد النزاع الحدودي بين الدولتين، يكمن في احتمال سماح الهند بتدخل أطراف ثالثة فيه، وقالوا إن ذلك لن يكون غير مفيد فحسب، بل سيجعل القضايا أكثر تعقيدا، وقالوا إن /نيودلهي/ باتت على ما يبدو تقبل بشكل متزايد تدخل ومشاركة الولايات المتحدة في جنوب آسيا بسبب الأوضاع الراهنة.
ويعتقد المراقبون أنه يتعين على /بكين/ العمل لمنع امتداد الخلافات الحدودية مع الهند إلى جوانب أخرى من العلاقات الثنائية بين الدولتين، وأن تكون يقظة للغاية تجاه واشنطن التي أعربوا عن اعتقادهم بأنها تسعى مرة أخرى لتحويل الحوار الأمني الرباعي الذي يضمها إلى جانب اليابان وأستراليا والهند إلى نسخة آسيوية من /الناتو/.
ومع تصاعد التوتر على الحدود الهندية الصينية، تصاعدت المشاعر العدائية للصين داخل الهند وارتفعت أصوات هناك تنادي بمقاطعة كل ما هو صيني، وشددت /نيودلهي/ رقابتها على التقنيات الصينية والاستثمارات والتبادلات الثقافية، بالإضافة إلى فرض حظر على العشرات من تطبيقات الهاتف المحمول الصينية. وبالمقابل تزايدت المشاعر القومية داخل الصين ضد الهند.
وأظهرت دراسات بحثية أن أكثر من تسعين بالمئة من ألفي مشارك بها، أيدوا انتقام الصين بقوة من الهند، ورأى أكثر من سبعين بالمئة منهم أن الهند كانت معادية للغاية تجاه الصين خلال هذا النزاع.
لكن هذا لا يعني أن حقبة التعاون بين الصين والهند قد انتهت، فإلى جانب ارتباطهما ببعضهما البعض من خلال الجغرافيا، تجمع الدولتين مصالح مشتركة واسعة النطاق وعلى مختلف الأصعدة، كما أنهما عضوان بالعديد من المنتديات الدولية مثل منتدى بريكس الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، فضلاً عن أن التبادلات التجارية الضخمة للجارين الآسيويين، وزيادة صادرات /نيودلهي/، وزيادة الاستثمار الصيني في الهند، من بين أمور كثيرة، تجعل القطيعة بين الطرفين شبه مستحيلة، فالصين كانت أكبر شريك تجاري للهند قبل عامين، ولاتزال /بكين/ أكبر مصدر لواردات /نيودلهي/ بدءاً من الإلكترونيات إلى مكونات الأدوية إلى الآلات الصناعية، والتي بلغت قيمتها سبعين مليار دولار عام 2019.
يضاف إلى هذا أن الهند تهدف لمضاعفة صادراتها السنوية ثلاث مرات لتصل إلى تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2025، وستلعب التجارة مع الصين دوراً رئيسياً في تحقيق ذلك. وتعد الصين الآن واحدة من أكبر ثلاثة مشترين للصادرات الهندية.
ويستبعد المحللون تطور الاشتباكات والمناوشات العسكرية بين الهند والصين إلى حرب واسعة، لأن قرار خوض الحرب يجب أن يكون سياسيا، ويضيف المحللون أن من الواضح أن الصراعات والأزمات السياسية والاقتصادية والحروب التجارية المحيطة بقادة البلدين لا تسمح لهما حتى بمجرد التفكير في فتح جبهات جديدة والتورط في صراع مفتوح على كل الاحتمالات.
ويبدو أن الظروف المناخية القاسية بمنطقة الحدود المتنازع عليها هي عوامل تضغط على الطرفين من أجل التعجيل بإبرام اتفاق يمنع المواجهة ويقود إلى تسوية النزاع، فالشتاء القاسي يلوح في الأفق على حدود /الهيمالايا/، حيث تنخفض درجات الحرارة في منطقة /لاداخ/ بشكل كبير وتصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر، الأمر الذي يجعل من الصعب الحفاظ على أعداد كبيرة من القوات بتلك المواقع، وقد يجبر الدولتين على الاتفاق على حدود أكثر وضوحاً، وتطوير تفاهم مشترك حول من يتواجد بتلك المواقع والنقاط الحدودية.
ويقول المحللون إن جذور الخلاف بين /بكين/ و/نيودلهي/ تعود إلى نزاعات حدودية قديمة تتجدد بين الحين والآخر، سببها غياب تعريف مشترك لخط السيطرة الفعلي الذي يرسم حدود البلدين، وهناك أيضا خلافات كثيرة بين تقديرات الدولتين لطول الحدود بينهما الأمر الذي كان سببا لاندلاع الحرب بينهما عام 1962.
ويبدو أن النزاع بين البلدين الدائر على امتداد آلاف الكيلومترات، وعلى ارتفاع أكثر من أربعة آلاف متر فوق سطح البحر سيستمر لأجل غير قصير، فقد ترك الجانبان سلسلة جبال /الهيمالايا/ المنيعة للقيام بواجبها الذي أدّته لقرون طويلة حيث أعاقت البلدين عن الانزلاق لحرب شاملة، ويعكس هذا الصراع بين أمور أخرى سباقا جيوسياسيا بين قوتين صاعدتين، وهو صراع يشير للهشاشة المستمرة لدى الدولتين في ترسيخ حُكمهما على مناطق شاسعة ووعرة جغرافيا، وعجزهما عن الهيمنة الشاملة عليها، وإذا كان احتمال الحرب المفتوحة بين الصين والهند ضعيفا، فإن ترسيم الحدود بينهما في القريب العاجل يبقى احتمالاً أضعف.

The post الهند والصين.. خطوات عملية لتهدئة التوتر الحدودي appeared first on جريدة الراية.

الكاتب edu4 Qatar

edu4 Qatar

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة