عبد العزيز السباعي.. وداعًا

QatarNewsNow 0 edu4 Qatar الوسوم:,

عبد العزيز السباعي.. وداعًا

بقلم/ سليم عزوز:

ليسَ عبد العزيز السباعي نَجمًا مشهورًا، أو كاتبًا معروفًا، لكنَّهُ مجردُ صحفيّ، مثلَ آلافِ الصّحفيّينَ المغمُورينَ، يعْملُ مُدقِّقًا لُغويًّا، أو مُصحِّحًا، كما نقولُ في مصرَ، وقد فُجعتُ بموتِه، وكانت الفجيعةُ الكُبرى أنّني لمْ أعلمْ بوفاتِه إلّا في الأسبوعِ الماضي، وبعدَ سَنةٍ من الوفاةِ، فانصرفَ الذّهنُ إلى لحظةِ تعرُّفي عليه، وإلى المهنةِ التي جاءَ ليلتحقَ بهَا، والتي كنتُ منذُ بدايةِ عملي الصحفيّ في شدٍّ وجذبٍ معَ مَن يعملونَ فِيها، وقد اكتشفتُ، بقدومِ السباعي، أنَّ قسمَ التصحيحِ هُو قبيلةٌ مغلقةٌ على نفسِها، داخلَ العائلةِ الصحفيةِ الكُبرى!

عندَما طرقَ عبدُ العزيز السباعي بابَ مكتبِي، لمْ يكنْ بينَنا «سابقُ معرفة»، وإنْ كنتُ علمتُ بعْدَ ذلك أنَّه صهرُ زميلٍ سبقَه للعملِ في جريدتِنا، فلمْ يقدمْه لي ولم يعرفْ هو نفسه بِه، على نَحْوٍ لمْ أعرفْ – والحالُ كذلك – إنْ كانت المصاهرةُ هذِه قبلَ عملِه أمْ بعدَها!

أدهشنِي الفتى، الريفيُّ مُمتلئُ الجسمِ نسبيًا، وأنا أسألُهُ عن الكُليةِ التي تخرّجَ فيها؟ وكانت إجابتُه «كُلية العلوم»، فأعدت سؤالَه مَرّةً أُخرى، فربَّما كانت كُلية دار العُلوم، لكن لم انتبهْ لذلكَ، فعادَ من جديدٍ يقولُ «كلية العلوم»، وقد ارتسمتْ على وجْهِه علاماتُ التحدّي، بشكلٍ دفعني للحماسِ لهُ، فهذه العلاماتُ لا تكونُ إلا من الواثقِ بنفسِه وبقدراتِه، مع ما بين الكُليتَين من فروقٍ كبيرةٍ، رغمَ الفارقِ اليسيرِ في الاسم، فكُليةُ العلوم، هي كليةٌ عمليةٌ، عادةً مَن كانوا يلتحقونَ بها في السابق، كانوا من الطّلابِ الذين كانَ طموحُهم الالتحاقَ بكُليةِ الطبِّ، لكنَّ مجموعَهم لم يؤهلْهم لذلك، فيجدونَ السلوى في هذه الكلية، وعلى قاعدة «إذا فاتكَ المِيرِي تمرّغ في ترابِه»، ودائمًا فإنَّ هذا الصنفَ من الطلابِ كانَ يؤكّدُ أنّهُ لا فرقَ ما دامَ يرتدِي في المحاضراتِ العمليةِ «الْبَالْطُو الأبْيض»!

وفي اعتقادِي أنَّ الدكتورَ أحمد زويل كان من هؤلاءِ، فمجموعُه في الثّانويةِ العامةِ لم يُمكنْه من دخولِ كُليةِ الطبِّ، وربّما خلقَ هذا عندَه التحدِّيَ في أنْ يكونَ «زويل»، وعندَما سُئلَ في مقابلةٍ صحفيةٍ، إنْ كان يتوقعُ حصولَه على نوبل إنْ استمرَّ في مصرَ؟ وربَّما ظفرَ الصحفيُّ المحاور نفسه بإجابةٍ تؤكّدُ أنَّ الفشلَ يعودُ للأفرادِ، وأنَ النّجاحَ يمكنُ تحقيقُه في الداخل أيضًا، لكنَّ إجابتَه كانتْ صادمةً، عندَما قالَ: «إنّه إذا استمرَّ في مصرَ فكان مصيرُه مجرد موظّف حكوميّ مثل ملايين الموظفين»!

لا أعرفُ إنْ كانَ عبد العزيز السباعي مِن الذين تحطّمَ حُلمُهم في الالتحاقِ بكليةِ الطبِّ، فلم يتطرق الحديثُ بينَنا إلى ذلكَ، فكانَ ما يهمُّني هو تمكّنُهُ من المهنةِ الجديدةِ، التي لا عَلاقةَ لها بطموحِه، ولا بالكليةِ التي تخرجَ فيها، وقررتُ على الفورِ إلحاقَه بقسمِ التّصحيحِ، وبعدَ عدةِ أيامٍ أيقنتُ أنَّ هناكَ اعتراضًا كبيرًا بالقسمِ على وجودِه، عندما دخلَ عليَّ رئيسُ القسمِ، شيخُ المُصحّحين «مُحمّد عتمان» رحمه اللهُ، ونقلَ لي هذا الاعتراضَ، وأيقنتُ أنّه تحرّكَ مدفوعًا بتحريضٍ من تلاميذِه في القسمِ، وربّما ظلّوا في الأيامِ السّابقةِ على هذه الخُطوةِ يدفعونه إليها!

عندئذٍ وقفتُ على أنّنِي في مواجهةِ قَبيلةٍ ترفضُ الدخلاءَ والوافدين إليها، ومن المعروفِ أنَّ هذه الأقسامَ في المؤسّساتِ الصحفيةِ تضمُّ في غالبيتِها الحاصلينَ على الثّانويةِ الأزهريةِ، أولئك الذين التحقوا بالصّحافةِ قبلَ صدورِ قانونِ نقابةِ الصحفيينَ الحالي لسنة 1970 الذي يشترطُ الحصولَ على مُؤهلٍ عالٍ للالتحاقِ بالنقابةِ، بجانبِ مَن تخرجوا في كُليةِ دار العلوم، التي هي حضنُ اللغةِ العربيّةِ ومعينُها، وقلّما تجدُ في قسمِ التصحيحِ حاصلًا على قسمِ اللغةِ العربيةِ، بكلياتِ الآدابِ بالجامعاتِ المُختلفةِ، وفي حدودِ علمِي أنَّه لا يلتحقُ بهذا القسمِ بالصحفِ من غيرِ هذه التخصّصاتِ، ومن هنا كانت المفاجأةُ للزملاءِ أن ينضمَّ إليهم واحدٌ من مكانٍ بعيدٍ وتخصصٍ مختلفٍ وكُليةٍ مختلفةٍ عن تخصصاتِهم، وإذْ وقفتُ على أنّها القبيلةُ، فقد أدركتُ أنّني أمامَ حالةِ تمرّدٍ تستدعي الحسمَ!

سألتُ (الْحَاج) محمّد عتمان (كَما كُنّا نُناديه)، إنْ كانت له مآخذُ على أداءِ الفتى، وقد عَمِلَ معَهم عدّةَ أيامٍ، فكان جوابُه أنّه على العكسِ من ذلكَ، فعملُه أكثرُ من ممتازٍ، وعدتُ لأسألَ: وأينَ المشكلةُ؟ فأجابَ بأنّه تخرّجَ في كُليةِ العلوم!

ولم يكنْ هذا بالنسبةِ لي سببًا وجيهًا للاعتراضِ، فتمسّكتُ بوجودِ السباعي، وقلتُ: إنّنا في المرحلةِ القادمةِ لن نهتمَّ بأنْ يكونَ المُلتحقونَ بالقسمِ من خرّيجي دار العلوم، إذا وجدنا في كليةِ العلوم مَن هو مثلُ هذا الوافدِ على قبيلتِكم. وقَبِلَ الرجلُ الأمرَ على مضضٍ، ولا أعرفُ بماذا أقنع الزملاءَ في القسمِ الذين حرّضُوه على هذا الموقفِ، ولعلَّه وجدَ السلوى في أنَّه سيُلقي عبئًا ثقيلًا عن كاهلِه وكاهلِ الزملاءِ، بقيامِ عبد العزيز السباعي بمُراجعةِ زاويتي اليوميةِ، فيتخلّصُ بالتالي من مشاكلَ يوميةٍ، تحدثُ نظرًا لوقوعِ بعضِ الأخطاءِ، وقد استنفدُوا كلَّ الحيل!

فعندما أسألُهم عن أصولِ مادةٍ ما، كانوا يُدركونَ أنَّ مُشكلةً قد وقعتْ، فكانوا يخبِّئونها فلا نعثرُ عليها، وعندما كنتُ أكلّفُ الآخرينَ بالبحثِ عنها، كانوا يؤكّدونَ على أنَّ ما نُشر هو الصّحيحُ، وعندَما بدأ الأمرُ بتخييرِهم بين أمرَينِ، كان التحايلُ بأنَّ كِلَيهما صحيحٌ، حتى صارتْ هذه «المناكفات» اليوميةُ تُثيرُ جوًّا من المرحِ، بعد أنْ كانتْ سببًا في توتّرِ الجوّ. الآنَ سيكونُ عبد العزيز السباعي في وجْهِ المِدْفع، لعلَّ عمَّنا محمد عتمان أقنعَ تلاميذَه بذلك، لاسيّما أنَّ المقررَ أنَّ نسبةً من الأخطاءِ واردةٌ، وكان كُتّابٌ يضجّون بالشّكوى مما يوصفُ بأنّه أخطاءٌ مطبعيةٌ، وقد ظُلمت فيها هذه الآلةُ، وهي ليست سوى أخطاءٍ بشريّةٍ!

وليست أقسامُ التصحيح دائمًا جُناةً، فهُم قد يكونون ضحايا أيضًا، وفي إحدى الصحفِ الكُبرى، أُحيل مصححٌ للشؤونِ القانونيةِ للتحقيقِ؛ لأنَّه عدَّلَ في مقالِ رئيسِ التحريرِ المُبجلِ، فقد كتب «يريدون الشياطون»، يقصدُ الجماعاتِ الإرهابيّةَ، وإذْ ردّها المصحح إلى الصواب «الشياطين»، فقد غَضِبَ رئيسُ التحريرِ، وهو يؤكّد أنَّ «الشياطون» صحيحةٌ لأنّها جمع مذكر سالم، فقد جمع «أبو قرش على أبو قرشين»، لكنَّ المحققَ القانونيَّ قال بجدية صارمة: مهما يكُن الأمر فرئيسُ التحرير على حقّ!

ولم تحدثْ مشكلةٌ البتةَ بيني وبينَ عبد العزيز السباعي، فقد استفدتُ كثيرًا من علمِه باللغة وبقواعدِ النحوِ، وإذ امتنعتُ عن الاتصالِ بالزملاءِ منذُ سفرِي للخارج، فقد تحدثتُ معه مرةً واحدةً عندما وجدتُه يشكو حالَه على الفيس بوك، وإذ عاودتُ الاتصالَ به مؤخرًا لمُراجعةِ عملٍ لي، فلم يردّ، فسألتُ زميلًا له في القسمِ فكان الجوابُ صادمًا.

رَحِمَ اللهُ عبدَ العزيز السباعي، فقد كان واحدًا من أهمِّ المُصحِّحين الذين تعاملتُ معَهم في مشوارِي الصحفيّ، وإنْ لمْ يتخرّجْ في دار العلوم.

كاتب وصحفي مصري

azouz1966@gmail.com

The post عبد العزيز السباعي.. وداعًا appeared first on جريدة الراية.

الكاتب edu4 Qatar

edu4 Qatar

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة