«كتارا» وردّ الاعتبار لفنّ «الكاريكاتير»

QatarNewsNow 0 edu4 Qatar الوسوم:,

«كتارا» وردّ الاعتبار لفنّ «الكاريكاتير»

بقلم / سليم عزوز :

لا أزعم أنني قرأت أي عمل روائي، من تلك الأعمال الفائزة بجائزة «كتارا» على مدى السنوات القليلة الماضية، منذ بعث الجائزة، ومع هذا فقد أسعدني، إلا قليلاً، هذا الإعلان عن إطلاق جائزة «الكاريكاتير» من قبل المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»! فقد كتبت ذات مرة أنني قارئ هاو للأدب، لا أقرأ إلا لأسماء بعينها، وكانت الفترة الخصبة لي في ذلك هي في العام الذي سبق الثورة مباشرة، فقد قرأت فيه عشرات الروايات، وكنت أطمع أن أزيد، لولا قيام الثورة، فجاءنا ما يشغلنا، لاسيما بعد التحديات التي واجهتها، ولضيق الوقت، وبعيداً عن هذه الأسماء لا أقرأ إلا بناء على ترشيح من آخرين، فلست قارئاً محترفاً للأدب، لأبدد وقتي في قراءة عمل لا يستحق القراءة، لاسيما أنني إذا شرعت في الأمر، لا يمنعني عنه ضعف أو ركاكة، وإنما استمر حتى النهاية، وكذلك حالي مع مشاهدة الأعمال الدرامية!

وكنت أعتبر أن الجوائز التي تحصل عليها الروايات هي بمثابة ترشيح من ثقات هم السادة أعضاء لجنة التحكيم، لكنني توقفت عن هذا بعد ما أصاب جائزة «البوكر العربية» ما أصابها، والتي لم تعد أحكامها مقياساً للجودة، وإذ أثق في قيمة «بهاء طاهر» الأدبية، وقد قرأت له كل أعماله، فاعترف أنه خدعني ذات مرة، وأنا أراه في مقابلة تلفزيونية، يقول فيها إنه خاف من منافسة «تغريدة البجعة»، على جائزة «البوكر» العربية، حيث كانت هذه الرواية ضمن القائمة القصيرة، في السنة التي فازت فيها روايته! ولثقتي في قيمة بهاء طاهر الأدبية، فقد اعتبرت هذا ترشيحاً لـ «تغريدة البجعة» يضاف لترشيح لجنة التحكيم بـ «البوكر العربية»، وقد بذلت جهداً فوق الطاقة، أضناني وأسقمني وأصابني بالصداع، وقد أخذت الأمر على محمل التحدي للذات، وما أن انتهيت منها، حتى انتصرت لنفسي، بكتابة سطور على خيبة الأمل التي منيت بها بعد قراءتي للرواية المنشورة، ونسيت ما كتبت، ولهذا كنت في دهشة لهذا السلام الفاتر من قبل مؤلفها «مكاوي سعيد»، كلما التقينا بشكل عابر في وسط القاهرة، لاسيما في مقهى «الندوة الثقافية» حيث يقيم، ولم أكن من روادها، فقد كان صاخبا ومزدحما أكثر مما ينبغي!

ولم أفكر كثيراً في أمر هذا الفتور، فلم نكن صديقين، لكن بعد وفاته وفي لحظة خلوة مع النفس، وكنت أقلب في الذكريات، تذكرت ما كتبت، وقد كنت حاداً ومع عمل ارتفع بالرجل ليكون في مصاف الأدباء الكبار، وبدأت الدنيا تضحك له بعدها، لتمثل عملية ارتفاع روايته إلى القائمة الصغيرة بـ «البوكر»، هي نهاية صبره وبداية بلوغه مراده، والانتقال لمرحلة لم تطل كثيراً بوفاته رحمه الله رحمة واسعة!

وإذا كانت هناك أعمال فازت بالجائزة وتستحق الفوز عن جدارة، فإن هذا لم يكن سوى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، القائمة على المجاملات، ولأشياء أخرى لا تعلمونها الله يعلمها!

وكان الطلاق البائن هو بعد قراءة رواية الأكاديمي التونسي «شكري المبخوت»، «الطلياني»، الفائزة بالجائزة في سنة 2015، ولم أعد أقدم على قراءة عمل إلا بعد ترشيح أصدقاء أثق في أنهم ليسوا أعضاء في لجان التحكيم، وإن كنت أدرك أنه لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع!

وعندما أطلقت جوائز كتارا الأدبية، أعجبني قيمة الجوائز، واعتبرتها تأتي احتراما لقيمة الأدب والأدباء، وتمنيت مخلصا من على بُعد، ألا يصيبها ما أصاب «البوكر العربية»، وغيرها، حيث شيوع المجاملة، والتي انتقلت من مجال النقد، إلى مجال التحكيم، ونحن شعوب مجاملة بالفطرة، فبهاء طاهر جامل «تغريدة البجعة» تماماً كما جاملتها لجنة التحكيم وجاملت غيرها، وإن لم تجامل بهاء طاهر بالفعل، فقد خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عسى الله أن يتوب عليهم!

وقد أسعدني أن تطلق مؤسسة «كتارا» جائزة لـ «كاريكاتير»، ومن محاسن الصدف، أن ذهني انصرف قبل إطلاق الجائزة مباشرة بما جناه الإعلام الجديد على هذا الفن، من تجاهل وعدم اكتراث، وكأنه خلق للصحافة المطبوعة فقط!

لقد كان تأسيس صحيفة، قوية أو ضعيفة، وبرأس مال كبير أم غير ذلك، وسواء تطبع في المطابع الكبرى أو في مطابع بئر السلم، تعتمد على ضرورة وجود الكاريكاتير، كما يوجد المصور، والمخرج الفني، فلا تصدر الصحيفة إلا وتحتوي على كاريكاتير، وبعض الصحف الكبرى خصصت للكاريكاتير مكاناً بارزاً في صدر الصفحة الأولى، ولم يكن الهدف منه فقط الإضحاك والتسلية، ولكنه هو أداة نقد للسلطة وغيرها!

وتحققت الشهرة لرسامي الكاريكاتير، كما تحققت للصحفيين، فهم نجوم أشهر من النار على العلم، وفي صحيفة المعارضة الأولى «الأحرار»، كان الفنان «نبيل صادق» لا تقل رسومه وهي تناطح السلطة عن «مانشيت الجريدة»، وفي الأخبار عرف القارئ في «أخبار اليوم» تجربة فريدة هي التي تجمع بين الثنائي الرسام «مصطفى حسين»، ومفجر الأفكار «أحمد رجب»، وكانت تثار بينهما خلافات، يرى الكبار في المؤسسة أن مهمتهم إزالة أسبابها، فقد كانت الرسومات مع جودتها تبدو أفكارها فقيرة في حال غياب «رجب» وكانت مساحة النقد للحكومة مسموحة لرسامي الكاريكاتير أكثر من غيرهم، وعندما ضاق صدر السلطة قامت بسجن رسام الكاريكاتير بجريدة «الشعب» المعارضة مع أربعة من الصحفيين على رأسهم رئيس التحرير مجدي أحمد حسين!

وفي وقت تبدو فيه الصحافة الورقية تلفظ أنفاسها (لا أظنها الأخيرة) وصارت الحظوة للصحافة الإلكترونية، فقد غاب الكاريكاتير عن الكثير منها، وعندما تأتي المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» بإطلاق جائزة الكاريكاتير، فإن هذا يدعو للسعادة بهذه الخطوة للحفاظ على هذا الفن من الاندثار! وإذ قلت في البداية إن هذه الخطوة أسعدتني إلا قليلاً، فلأنها ضيقت واسعاً، وجعلت من مجالها «تجربة التعليم أو العمل عن بُعد»، فضلاً عن أنها اشترطت ألا يكون قد تم النشر، في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد تمنيت لو تم ربطها بالنشر الصحفي، للفت الانتباه للقائمين على الصحف الجديدة، لاسيما الإلكترونية إلى أهمية هذا الفن، فضلاً عن أن النشر لاسيما في وسائل الإعلام المعتمدة، سيغلق الباب أمام عمليات السطو على أعمال الغير، وحتى لا يكون هذا هو الباب الذي يدخل منه الشيطان بهدف التشويه، إذ ثبت أن العمل الفائز مسروق مثلاً. عموما، إنها خطوة في الاتجاه الصحيح.

كاتب وصحفي مصري

azouz1966@gmail.com

The post «كتارا» وردّ الاعتبار لفنّ «الكاريكاتير» appeared first on جريدة الراية.

الكاتب edu4 Qatar

edu4 Qatar

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة